محمد أبو زهرة
5070
زهرة التفاسير
تعددوا هم كرسول واحد ، وذكرت الدعوة بالصيغة التي ذكرت بها دعوة نوح عليه السلام : أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ و أَنِ هنا تفسيرية ؛ لأن ما بعدها تفسير ل فَأَرْسَلْنا ، أي أرسلناهم بأن يقولوا اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره . أي ليس لكم من إله أي إله غيره ، أَ فَلا تَتَّقُونَ ، وقد تقدم ذكر معناها قريبا ، ولقد ذكر سبحانه أن الرسول منهم يعرفونه ويألفونه ، ويكون من أوسطهم نسبا ، وأعلاهم مكانة ، ولقد كان رد قومه عليه - وهو مثل من الرسل الذين جاءوا بعد نوح - كرد قوم نوح فقال تعالى عنهم : وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ( 33 ) . وصف اللّه الذين كفروا وكذبوا بثلاث صفات هي الصفات الملازمة لمعارضى الأنبياء ومعانديهم ، الصفة الأولى : أنهم من الملأ ، أي من أشراف قومه وبطانة الرؤساء والكبراء ، وليسوا من الضعفاء ولا الفقراء والعبيد ، الصفة الثانية : أنهم كذبوا بلقاء الآخرة ، لا يؤمنون بالبعث والنشور ؛ لأنهم استغرقتهم المادة ، فلا يؤمنون بالبعث ، ولا يصدقون إلا المحسوس الذي يرونه ، ومن لا يؤمن إلا بما يحس فقلبه أعمى وعقله في ضلال ، وهو كالأنعام بل أضل سبيلا ، وقوله تعالى : وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ من إضافة المصدر إلى ظرفه ، أي اللقاء الذي يكون في الآخرة ، وهو لقاء الحساب والعقاب والثواب ، ولقاء ملائكة العذاب ، أي أنه يلقى كل في الآخرة كل ما هو شقاء مرهوب . والصفة الثالثة : قوله تعالى وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا والترف التوسع في النعيم ، وأترفوا في الحياة الدنيا معناها وسع لهم فيها ، ونالوا نعيمها ، وذكر الْحَياةِ الدُّنْيا إشارة إلى أنهم ينعمون في الحياة الدنيا ، ولم يلهموا شكر النعمة فيها ؛ لأنهم لو ألهموا الشكر ، لوسعت عليهم النعمة في الدنيا والآخرة . وذكر الإتراف في هذه الحياة الدنيا ؛ لأن الترف فيها لا يجعلهم يعملون للآخرة ؛ إذ تلهيهم أموالهم وأولادهم عن العمل للآخرة ، كما قال اللّه تعالى